محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
91
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللّه » « 1 » . وعن أسامة بن زيد « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أشكر الناس للّه أشكرهم للنّاس » « 3 » ، وسيأتي الكلام على هذا المعنى في آخر الكتاب إن شاء اللّه عند كلام المؤلف عليه . وشكر سائر الجوارح : أن تعمل بها العمل الصالح ، قال اللّه تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] ؛ فجعل العمل شكرا . وروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قام حتى انتفخت قدماه ، فقيل له : يا رسول اللّه أتفعل هذا ، وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال « أفلا أكون عبدا شكورا » « 4 » . وسأل رجل أبا حازم رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : « ما شكر العينين ؟ قال : إذا رأيت بهما خيرا أعلنته ، وإذا رأيت بهما شرا سترته . قال : فما شكر الأذنين ؟ قال : إذا سمعت بهما خيرا وعيته ، وإذا سمعت بهما شرا دفنته ، قال : فما شكر اليدين ؟ قال : لا تأخذ بهما ما ليس لك ، ولا تمنع حقّا هو للّه فيهما . قال : فما شكر البطن ؟ قال : أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما . قال : فما شكر الفرج ؟ قال : كما قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * [ المؤمنون : 6 ] . قال : فما شكر الرجلين ؟ قال : إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما عليه ، وإن رأيت شيئا مقّته كففتهما عن عمله وأنت شاكر للّه تعالى ، فأما من شكر بلسانه ، ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه ، فلم ينفعه ذلك من الحرّ والبرد والثلج والمطر » . وأجمع العبارات للشكر قول من قال : « الشكر معرفة الجنان ، وذكر باللسان ، وعمل بالأركان » .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( أدب ، 11 ) ، والترمذي ( برّ ، 35 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 258 ، 295 ، 303 ، 388 ، 461 ، 492 ، 3 ، 74 ، 82 ، 4 ، 278 ، 375 ، 5 ، 211 ، 212 ) . ( 2 ) أسامة بن زيد بن حارثة ( 7 ق ه - 54 ه - 615 - 674 م ) من كنانة عوف ، أبو محمد ، صحابي جليل . ولد بمكة ، ونشأ على الإسلام ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحبه حبا جما وينظر إليه نظره إلى سبطيه الحسن والحسين ، وهاجر مع النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وأمرّه رسول اللّه قبل أن يبلغ العشرين من عمره ، مات في الجرف في آخر خلافة معاوية . له في كتب الحديث ( 128 ) حديثا . ( الأعلام 1 / 291 ، والإصابة 1 / 29 ، وتهذيب الكمال 1 / 514 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 ، 212 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( تهجد ، 6 ) ، تفسير سورة 48 ، 2 ) ، ومسلم ( منافقين 79 ، 81 ) ، والنسائي ( قيام الليل ، 17 ) ، والترمذي ( صلاة ، 187 ) ، وابن ماجة ( إقامة ، 200 ) ، وأحمد بن حنبل ( 4 ، 251 ، 255 ، 6 ، 115 ) .